-->

نظرات في الوقائع والأحداث

11 أيلول/سبتمبر 2020

تحت الشمس -1-

ادريس هاني

-قالوا - كما فعل ماكرون هذه الأيام - بأن السيدة فيروز من شأنها أن توحّد اللبنانيين، قلت لا شيء يوحّد اللّبنانيين بينما هناك إصرار على توحيدهم خارج التوافق السياسي، لا يوجد حلّ غير هذا لا سيما إذا كانت هناك صعوبات باتت تاريخية لتشكيل الدولة اللبنانية على غير إيقاع التوزيع الطائفي للسلط. ها إذا غابت الدولة حلّت فيروز؟ -كل اللبنانيين يحلمون بالدولة التي تتمتع بكل مواصفات الدولة المدنية ولكنهم يجدون أنفسهم في أوتوستراد جيوبوليتيكي يقود إلى طريقين لا ثالث لهما في هذا الزمن الجيوستراتيجي: إمّا التوافق أو الفوضوى (الحرب الأهلية). - أقول إذن إن فيروز نفسها لن تستطيع أن توحد اللبنانيين، ربما ماكرون لا زال يجهل بعضا من تفاصيل المعضلة اللبنانية، كنت قبله أظنّ أن فيروز خطّ أحمر قبل أن أقرأ هجاء حسن صبرا لفيروز بعد أن نقل ابنها زياد الرحباني تمجيد فيروز لقائد المقاومة. لا شيء يمنع الهمجية من قلب الحقائق السياسية وحتى الفنّية في لبنان. - لكي تكتمل خريطة صفقة القرن هناك محاولة لإفراغ لبنان من كل شيء حتّى من قيمته التاريخية وجمالية المكان، تفجير المرفأ جاء في هذا السّياق، بعض إعلام الممانعة مهتمّ بأمريكا اللاّتينية. -أتابع هذه الكوميديا السياسية التي تعقب الإعلان عن التطبيع، المعنيون بالأمر لا أدري حقّا من أوحى لهم بأنّ تصرّفهم يمتاج من ميراث ومفهوم الدولة والمصالح، لو فكروا بالمصلحة لأدركوا أنّ هذا القرار ينتمي إلى مزاج قبلي وغضبة تذكّر بمن لوّح بهدم الكعبة وتعكير ماء زمزم، يبدو أنّ الزمن يدفع باتجاه أن تضمحل الكثير من الدول هي في تصميم وخريطة برنار لويس مشروع انطفاء من الوجود. - المثير في تداعيات مهرجان التطبيع هو انقلاب اللغة والثقافة والأحاسيس من النخب حتى الأطفال، الثقافة بما فيها السياسية تقتضي أعمارا ثقافية لا تقلّ عن الأعمار الجيولوجية، كيف يا ترى يجري هذا التحول؟ لكي ندرك ذلك علينا أن نعرف قيمة غياب ثقافة سياسية حقيقية ناشئة من سياق تاريخي حقيقي، علينا أن ندرك إذن لمحة عن النفاق الاجتماعي وكذبة الرّأي العام.. - السديسي يلقي خطبة دينية عصماء تمهيدا للتطبيع، سيجعلون مكّة تنطق بالتطبيع، هذا أخطر من محاولة أبرهة تدمير الكعبة، شيء متوقع دائما، سيصدم أولئك الذين انخرطوا في موجة قلب الحقائق، لا أسميها مغامرة بل علينا أن نعتبرها ضريبة ارتهان سياسي مزمن غير محسوب العواقب. - قال السديس بأن النبي توفي ودرعه مرهونة عند يهودي..هناك خلط كبير يؤكد أن القوم كانوا قبل نوبة التطبيع يعادون إسرائيل كدين لا كاحتلال في سياق مشروع إمبريالي..كل شيء قابل هنا للتديين..إلى أسوأ تأويل للدين..والأسوأ هنا قد يلتقي مع الأسطح تفسيرا.. - الكلّ يلوّح بخطورة خريطة برنار لويس، القضية خرجت عن صدمة المعلومة لأن الحكاية تعود إلى 1983، لكن المسألة هي أنّنا ندخل الكثير من الانتقاء والتجاهل على هذه الخريطة: علينا أن نكون واضحين ونؤمن بخطورتها مغربا ومشرقا. - لا زال في ثنايا ألفاظ التحليل السياسي إقليميا ما هو مرعب، إنها العاطفة والتكرار والانتقاء والتحليل بالنوايا، متى يدخل العقل العربي دورة المعقول السياسي؟ - أشعر أنّ التلفزيون أداة تعذيب لا أداة ترفيه، لم يعد هناك ما يعزّز الثقة في أن يكون يوما التلفزيون وسيلة تربوية حقيقية، لا زالت آثار الأمية بما فيها الفنية جاثمة في المضمون والحوار، هل هو الاستغباء؟ أعتقد الأمر يتجاوز ذلك، لنتحدّث عن مقولة: ليس في الإمكان أبدع مما كان، غياب الدّقة في كل شيء، إصرار غامض على التكرار.. - علّق بعض القراء على مقالي عن الشهيدة التركية تيمتيك التي لفضت أنفاسها بعد شهور من الإضراب عن الطعام طلبا لمحاكمة عادلة وأيضا رفيقها إيتاج، لم أشغل نفسي بالأسباب التي تجعل إنسان وكأنه في مقام احتجاج أو تصيد لمواقف حين يسألك ولماذا لا تهتم بقضايا الدّاخل؟ والحقيقة هي أنّ اهتمامي بقضايا الداخل يعتبرونها تقية فإذا تجاهلت حاسبوك على التجاهل، ما الحلّ؟ المشكلة هي أنّ قضية التركية قبل أن أتحدث عنها كانت حديث الكثير على أكثر الصفحات لكن ما أن تحدثت عنه وأدركوا أنني أقرب إلى أولئك الضحايا حتى أحجم الجميع عن تكرار الحديث عن المناضلين الأتراك. المشكلة هي أننا لم ننضج ثقافيا وسياسيا ووطنيا. يجهل هؤلاء ميلي الأممي القديم، وسيتفاجؤون أكثر لأنهم لا يعرفون إلى أي مدى يصل تضامني مع الإنسان، وشخصيا لا أعرف كيف أواجه الكراهية والحقد إلاّ بالتجاهل على الرغم من أنني أتقن ما عدا ذلك. طبعا هذا لا يعني أن الإنسان لا يتألّم لكل قضية إنسانية، متى نكفّ عن لعبة تصيد المواقف بأحكام فارغة وعدوانية لا تنضب. - أشتغل هذه الأيام على سيرة لبطل، كنت مصرّا على أن أفحص سجلّه الطفولي، من هناك ندرك ميلاد ونشأة الأبطال، فتحت شهيته ليتذكّر، طفولة ممتعة وشقاوتها محفوفة بالحذر والذّكاء، تساءلت مرارا وقبل ذلك: هل الشجاعة جبلّية أم مكتسبة؟ - عادت الأطراف الليبية مرة أخرى إلى الوساطة المغربية، هذه المرة إلى بوزنيقة، النقاش حول أرضية ممكنة بين ممثلين عن حكومة الوفاق بطرابلس وممثلين عن البرلمان أو مجموعة طبرق، هل يا ترى هذا اللقاء استئناف لميثاق الصخيرات الذي أُقبر في ملتقى برلين؟ هل هو تصحيح للقاء برلين؟ هل سيحقق بوزنيقة ما لم يتحقق بالصخيرات وبرلين والقاهرة؟ في هذه الأثناء يجلس السراج مع أوردوغان لتناول الشأن الليبي، لا زال المشوار طويلا ومعقّدا. - إذا اعتمد المنهج نفسه وتمّ البناء على المفاهيم والمعطيات التي تمت في الصخيرات، فستكون جولة بوزنيقة قضية إعلامية بامتياز، ما حجم المسلحين الإرهابيين الذين التحقوا بالقتال في طرابلس من مناطق النزاع؟ - هل حقّا يؤمن الليبيون اليوم بدولة مستقلة أم أنّ الميل إلى التمكين سيجعلهم في مهبّ الاحتراب الإقليمي؟ - أتأمّل الكتب المتراكمة بلا انتظام، أمسك بكتاب المرابطة لطه عبد الرحمن، أبذل أقصى الجهد لكي أتفّمه - وليس لأفهمه - فأعجز عن هذه المهمّة..يزعم في المقدمة أنّه سيكون غير منحاز في قراءته تلك لكنه سرعان ما يغرق في التحيز إلى الأذقان، تفضحه الخاتمة التي ضمّنها استهتارا بنقاذه المفترضين حتى قبل أن يتكلّموا.. - في تلك الخاتمة تحدث طه عبد الرحمن عن خصومه طاعنا في مدى استيعابهم للفلسفة الغربية من مصادرها وتحدث عن أمرين: اللّغات والمنطق..عادة يصرّ عليها الكاتب في إقصاء نقاذه عبر ما يعرف بمغالطة السّلطة بمعنييها الذين أسميهما: المُلاوغة - أي المراوغة باللغة- والمُناطقة -أي المراوغة بالمنطق - الغريب في الأمر أنّ هذه الخاتمة تشبه مقالة لأبي يعرب المرزوقي يواجه بها خصومه من المثقفين التونسيين، ترى هل لا زال طه عبد الرحمن يمتاح أسلوبه من أبي يعرب المرزوقي ويقلّده في مشيته؟ - سيقول أن هذا افتئات، لكن سبق وأخبرني أبو يعرب المرزوقي بأنّ طه عبد الرحمن سرق منه عبارة "فقه الفلسفة" كما سبق لطه عبد الرحمن أن أقسم لي بالأيمان المغلّظة بأنه لم يسرقها من أبي يعرب المرزوقي، ثم سبق لهذا الأخير أن قال لي أنّ الأول اعتذر له لأنه استعمل عبارة له، وبينما أنا في دوامة المنخوليا الطاهية واليعروبية سأجد الشيخ البهائي قد استعملها في القرن السادس عشر..هذا الأخير ليس فيلسوفا وفلكيا ورياضيا وفقيها فحسب بل هو أيضا أديب له تشريح رائع للنفاق في رسالة التدين والنفاق بلسان القط والفار، اشتغلت على هذا النص في كتيب حديث الصدور.. - بالعودة إلى الإعجاز اللغوي واشتراط تلك اللغات لفهم الفلسفة، علينا أن ندرك بأنّ خصوم طه عبد الرحمن متقنون لذلك، هل يقصد حسن حنفي أو المرزوقي أم أركون أم العروي الذي سبقه إلى باريس وحاضر في الولايات المتحدة الأمريكية..تلويحات طه باللغة تذكّرني بالدليل المزّيف(le faux guide)، لم يؤلف طه باللغة التي تجعل مشروعه يقارع الغرب باللغات التي يزعم إتقانها، لم يقدم نصا كاملا مترجما، لم يحفر فيما لم يسبقه إليه محققون كثر..يعيّرهم بالتقليد وهو واقع فيه مع نوع من المُلاوغة المشهودة.. ومع ذلك كان ابن رشد يجهل اليونانية.. - يقول في مقدمة كتابه المرابطة بما معناه أنه أول كتاب سيتناول هذا الموضوع من وجهة نظر فلسفية، قبل سنوات كتبت كتاب: روح المقاومة وفلسفة الزمن وهو كتاب فلسفي حول الموضوع..اقرأ هذا وهذا وقارن بملئ حرّيتك.. - زعم طه عبد الرحمن أن كتابه هذا فلسفي ثم سرعان ما غرق في توصيفات مُلاوغاتية لقضايا تنتمي لعلم الكلام كما عالجها كُتّاب الملل والنحل، هل يعتبر الكاتب أن إعادة توصيف الأفكار هو التجديد والإبداع؟ - لا زال طه عبد الرحمن يلوّح بالمنطق ليرعب نقاذه، ويرى أنه في فرنسا يتم فرض دراسة المنطق الرياضي في شعبة الفلسفة، من ينخدع بهذا التلويح يظن أننا أمام رجل يتقن الرياضيات، فلسفة الرياضيات الحقيقية والمقنعة تتطلّب أن يكون الرجل ملمّا بالرياضيات المجردة..قرأنا لبرتراند راسل وجون ديوي وبوانكاريه وإموند هوسرل وبورباكي وآخرين، لم نجد هذا التلويح الأخرق..حينما تكون رجل رياضيات فهذا سيظهر من دون تلويح، والذي يحكم عليه هم أهل الرياضة، ومع ذلك أصادف في الكتاب كوارث منطقية. إن كان الرجل مولعا بالرياضة لهذا الحدّ فما الذي منعه أن يكون رياضيا أصلا؟ إنّنا في مسار من المزاعم لا تنتهي ونوبة من البارانويّا لا ينفع معها النقاش العلمي.. - سيزعج هذا الحديث حوارييه وستهتز فرائص بعض ممن لا زالوا دون فهم السياقات والحقائق، وأنصحهم بعدم التّدخّل..سيكبرون ويفهمون.. - لا زال أبو يعرب المرزوقي يجد الحل في عودة تركيا لدورها الذي يصفه بالتّاريخي، يقصد دور الباب العالي، تركيا اليوم تدعوا الاتحاد الأوربي للتوسط لحلّ مشكلتها مع اليونان بخصوص نشاط تركيا في مياه شرق المتوسّط كما تتحدث عن الدفاع عن مصالح تركيا العليا فقط. - تعنون إحدى القنوات إحدى ندواتها بصيغة سؤال يقول شقه الثاني هل الأمر يتعلق بغياب استراتيجيات..قبل سنوات في لقاء مع مجموعة من الفاعلين قلت أنّ المشكلة تكمن هنا في غياب استراتيجيا حقيقية..قال أحد الفاعلين الأغبياء كان حريصا على التعقيب على كل كلمة أقولها - والغريب بعد أن تمر أيام أو أسابيع أو شهور يعود لتبنيها واستعمالها - بأن كلامي ليس صحيحا، وعلينا أن نكون منصفين، وأكثر من التمحّل والتلوّي ليثبت أنّ ما تقوم به تلك الجهة هو استراتيجي..متأكد أنه وعلى عادته سيقول اليوم بأنه لا توجد استراتيجيا..لقد افتقدت الثقة في قسم كبير من هذه الفصيلة من الفاعلين وبدأت أفقد جزء من الثقة في آخرين..كل هذا يدخل عندي في التجارة الممنوعة في الحقيقة والمفاهيم..تجار الأزمات.. - لازالت أعداد ضحايا الوباء في تزايد، اتخذت الحكومة تدابير ابتداء من اليوم مشددة بخصوص بعض المدن كالدار البيضاء، الأرقام المهولة تؤكد وجود أزمة لها علاقة بالتدبير الحكومي، الجميع في تردد والتباس، لكنني أعتقد أنّ الحديث عن مخرج في ظلّ حكومة العثماني سيكون صعبا ولكن ما العمل؟ هناك بالفعل صعوبة تتعلق بالعودة إلى سياسة الحجر لكن ماذا عن الاقتصاد؟ هناك حيرة وتحدي وملابسات، المسألة أبعد من أن تختزل في سلوك غير مسؤول لمواطنين بل يجب الحديث عن جدوى النقاش العلمي الذي يجري بين أعضاء الحكومة والقطاع الوصيّ وكيف يتم الاستنتاج والتنزيل؟ إذا كان الاضطراب وغياب القدرة على الدقة في التشخيص والاستنتاج هما سيدا الموقف، فسيتواصل الوضع، وكما قلت مرارا إنّ كورونا أذكى من أن تسمح لسراق الله استعمالها في الانتخابات، لأنّ كورونا تعرف الله أكثر من سراق الله.. - حينما أقرأ النصوص الجديدة وأقارنها بما سبق، أتساءل: هل العود الأبدي قانون طبيعي أم صناعة؟ - النّفاق الممارس في النّصوص ظاهرة غالبا ما يتم تجاهلها وكأنّ النفاق ظاهرة شفهية فحسب، وتماما في كلتا الحالتين يجب التأويل، هذا الأخير آلية لسبر ثنايا المعنى وطبقاته، يجري هذا في تأويل الأحلام، والرموز والنصوص.. ادريس هاني: الإثنين 7-9-2020